مظاهرة تضامنية مع نساء فلسطين في العاصمة الألمانية برلين بتاريخ 26 سبتمبر/أيلول 2019. Beata Zawrzel/NurPhoto

يبدو المجتمع الفلسطيني في هذه الأيام مشغولاً بالجدل الدائر بين رافض ومؤيد لتطبيق اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) في فلسطين. وتواجه الاتفاقية رفضاً من فريق كبير من العشائر والمحامين وبعض الأحزاب والحركات السياسية بداعي مخالفتها “الأعراف والتقاليد والتعاليم الدينية”.

كانت فلسطين قد انضمت إلى الاتفاقية العالمية مطلع نيسان/أبريل 2014 من دون التحفظ على أي من بنودها. ولكن المحكمة الدستورية الفلسطينية العليا عام 2018 رأت أن “كل تعارض بين الاتفاقية والهوية الوطنية غير ملزم بالتطبيق”.

وتصاعد الجدل بشأنها مع إقرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مطلع تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، قانوناً يحدد سن الزواج للجنسين بـ18 عاماً، إيذاناً ببدء تطبيقها. لكن العشائر الفلسطينية، على وجه الخصوص، رفضتها. ويأتي الجدل في وقت تعلو أصوات رافضة لانتهاكات ضد المرأة في فلسطين، منها جرائم قتل لنساء وصفت “بجرائم شرف”.

وقبل يومين، أعلنت عشائر الخليل “براءتها التامة” من الاتفاقية، مبيّنةً أن “على السلطة الفلسطينية الانسحاب منها وإلغاؤها، والدعوة إلى إغلاق جميع المؤسسات النسوية وما يدور في فلكها بفلسطين وإلغاء عقود إيجارها.

وطالب البيان العشائري المدارس والمؤسسات التعليمية بغلق أبوابها في وجه الناشطات النسوية، محذراً وسائل الإعلام الفلسطينية من تغطية فعاليات أنشطتها. والقضاة من رفع سن الزواج.

غير أن السلطة بدت متمسكةً بالاتفاقية. وفي أحدث تعليق عليها، اعتبر أمين السر للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات، في 24 كانون الأول/ديسمبر، أن الانضمام إلى الاتفاقية العالمية هو “إنجاز فلسطيني وطني خالص، توّج جهود الحركة النسوية والحقوقية الفلسطينية التاريخية ونصالاتها”.

ولفت إلى أن ضمان حق المساواة للمرأة في جميع مجالات الحياة “ليس بدعة بل واجب قانوني وإنساني وأخلاقي,” وفق ما نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا). وقال عريقات أن “الشعب الفلسطيني الذي يناضل من أجل حقه في تقرير مصيره وحريته من الاحتلال لا ينكر على المرأة الفلسطينية حقها في تقرير المصير، ونضالها من أجل كرامتها”.

“كلام معسول والسلطات مسؤولة”

لكن الناشطة في الحراك النسوي السياسي “طالعات” راية زيادة قالت لرصيف22 إن هذا الخطاب الرسمي “كلام معسول لا يغيّر في الواقع”، مشيرةً إلى أن “المؤسسة الرسمية تتحمل أيضاً مسؤولية ما تعانيه المرأة الفلسطينية وتتعرض له”.

وأثارت مواد عدة في الاتفاقية جدلاً، لا سيما تلك المتعلقة بعدم تجريم العلاقات خارج الزواج ومثليي الجنس وزواج المسلمة من غير المسلم.

وتبنّت نقابة المحامين الفلسطينيين موقف العشائر والمحكمة العليا، فأعلنت رفضها، قبل أيام، تطبيق الاتفاقية ونشرها، ملمحةً إلى “وجوب التقيد بما جاء في قرار المحكمة الدستورية العليا”.

واعتبر حزب “التحرير” الفلسطيني الإسلامي أن السلطة الفلسطينية “باتت نموذجاً يفتخر به الكافر” بتمسكها بالاتفاقية التي “تنخر الأسر وتهدم البيوت وتهتك الأعراض”.

وانقسم المغردون الفلسطينيون حول الاتفاقية، واعتبر عدد منهم أنها تشكل خطراً على المجتمع الفلسطيني.

وقال الصحافي إسماعيل الغول: “تعتزم السلطة الفلسطينية الموافقة على اتفاقية #سيداو من دون أدنى تحفظ، وهي الاتفاقية التي رفضتها أمريكا وتحفظت عليها إسرائيل. إنها تشكل خطر على جميع أبناء المجتمع #الفلسطيني وتحتوي على عدد من المخالفات الشرعية والأعراف والقوانين”.

ورفض آخرون بيان العشائر وطالبوها بالتصدي لجرائم الشرف عوضاً عن الاتفاقية. وقالت مغردة تدعى آية محيسن: “بعدين انا مش فاهمة اتفاقية سيداو بشو بتعارض الدين الإسلامي؟ وبعدين هادي العشائر مش نفسها اللي بتلم الموضوع لما يكون في جرائم شرف وبيضيع حق البنت؟ وينهم عن تعنيف النساء؟” .

تهديد وتصعيد خطير

بالعودة إلى الناشطة زيادة، فهي ترى أن ردود الفعل الرافضة للاتفاقية ليست فجائية بل “نمط تفكير قمعي وإقصائي، وهي جزء من منظومة قمع كاملة وتجسيد لنمط عنفي موجود ويتجذّر بقوة نتيجة انعدام الرغبة السياسية في حماية النساء والفئات المستضعفة من عمال وفقراء ومهمشين”.

وأشارت إلى أن الاعتراضات “ظهرت بصيغة تهديدية وإقصائية بعد أيام معدودة على مقتل أربع نساء فلسطينيات في أقل من شهر نتيجة عنف أسري بشع، إحداهن وُئدت حية”، في إشارة إلى إيمان النمنم الضحية الرقم 20 للعنف الأسري في فلسطين هذا العام.

وأضافت: “هي أيضاً اعتراضات علنية كما جاء في البيان المسمى ‘البيان الختامي لمؤتمر عشائر الخليل حول سيداو”، والذي أشاع حالة من الذعر داخل المجتمع الفلسطيني”.

وتابعت: “هذه الجهات تستمر في منح نفسها الصلاحية من أجل فرض سلطة مجتمعية تشريعية وقانونية وتنفيذية، جميعها سلطات مبنية على الديكتاتورية.”.وقالت: “يمثل أسلوب الاعتراض الذي ظهر خطراً على جميع التحركات الاجتماعية والسياسية، لا سيما التحركات النسوية. لذا طالبت أصوات بإغلاق المؤسسات النسوية”.

واعتبرت الناشطة الفلسطينية أن هذه الدعوة “دعوة مباشرة إلى ردع أي تحرك يحاول أن يعمل في المجتمع (الفلسطيني)، وإسكات كل صوت فلسطيني ‘مختلف‘”.

وبيّنت أن “تجذر هذه اللغة العنيفة مجتمعياً يكمن في اصطفاف العديد من الأفراد والجهات الرسمية وغير الرسمية مع هذا البيان (العشائري) وتوجهاته، والمطالبة بقمع كل تحرك مجتمعي بحجة ‘السلم الاهلي‘ التي لا تمت بصلة إلى للواقع الذي نعيشه، لأنه واقع حافل بالعنف (ضد المرأة) على أشكاله”.

الموقف النسوي

وكانت مؤسسات حقوقية ونسوية عدة قد دعت السلطة إلى التزام التطبيق الحرفي لبنود الاتفاقية من أجل تأمين الحماية والإنصاف للمرأة الفلسطينية ومواجهة “جرائم الشرف”.

وفي هذا السياق، قال مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي في فلسطين، وهو منظمة مستقلة، إنه ينبغي “إعادة قراءة قوانيننا وتشريعاتنا مرة أخرى، كونها موروثة، وفيها الكثير من التمييز بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات”، لافتاً إلى إمكانية الاجتهاد بشأن التشريعات مع التزام المرجعية الدينية.

وفي بيان مشترك، حثت أربع منظمات حقوقية ونسوية فلسطينية الحكومةَ على “الإسراع في نشر الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي انضمت إليها فلسطين في جريدة الوقائع الرسمية الفلسطينية” تمهيداً لبدء العمل بها، و”استكمال عملية الإصلاح القانوني بمطابقة التشريعات النافذة مع مضمون الاتفاقية”.

وطالبت منظمات الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، والاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، ومجلس منظمات حقوق الإنسان، وشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، بـ”فتح حوار مجتمعي يضم جميع الأطراف المعنية لمناقشة قضايا تتعلق بالتشريعات الوطنية”.

نضال مستمر

وتوضح الناشطة زيادة أن حراك “طالعات” يصرّ على “توحدنا كشعب فلسطيني أينما وُجدنا لرفض جميع أنواع العنف، والنضال من أجل القضاء على الطرح الإقصائي الذي تسعى إلى تعميمه البنى والمؤسسات الذكورية الأبوية في المجتمع”.

وبحسب زيادة، يحمّل  حراك “طالعات” مؤسسات الدولة “المسؤولية المباشرة عما يحدث على الأرض راهناً، ففيما تتغنى السلطة الفلسطينية بتوقيع الاتفاقيات الدولية من منطلق أنها إنجازات من أجل الشعب الفلسطيني، نجد أن هذه الاتفاقيات منذ بداية نكبتنا (عام 1948) لم تغيّر شيئاً في واقع المرأة الفلسطينية أو في واقع الفلسطينيين؛ نتيجة لانعدام الرغبة السياسية في التغيير الحقيقي على المستوى الداخلي، وأيضاً لأن المؤسسات الرسمية هي شريكة كذلك في منظومة القمع والعنف القائمة بحق المرأة”.

وختمت زيادة: “من دون الانعتاق الكلي، ستكون الحرية والعدالة منقوصتين على حساب النساء والمهمشين والفقراء. لذا سنبقى نناضل، نحن النساء الفلسطينيات، من أجل حريتنا وكرامتنا وأماننا”.

*نشر هذا المقال على موقع رصيف 22 بتاريخ 24 ديسمبر/كانون الأول 2019

Asia Times Financial is now live. Linking accurate news, insightful analysis and local knowledge with the ATF China Bond 50 Index, the world's first benchmark cross sector Chinese Bond Indices. Read ATF now. 

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *