شعائر كنيسة «الله القدير»هادئة وبسيطة. صورة: Andrew Salmon / Asia Times

تتحدث السيدة الصينية البالغة من العمر 39 عام ذات البنية الهزيلة بصوت هاديء ولكن على عجل. فلديها قصة تحتاج لحكيها إلا أن حكيها في حد ذاته يسبب لها تروما نفسية.

تقول لينج زين (إسم مستعار) لآسيا تايمز: «في 17 يوليو/تموز، كنت أنا وإخوة وأخوات نحضر اجتماع. فجأة قفز 20 شرطي داخل فنائنا، كانت الأبواب مغلقة بالقفل، إلا أنهم كسروا الأبواب وهجموا علينا».

تم القبض على المجموعة وتحويلهم لمكان احتجاز. تحكي لينج: «بدأوا في استجوابنا. كان هناك ستة أفراد شرطة يتبادلون ثلاث نوبات. ظلوا يسألون: “من هم إخوتكم وأخواتكم؟ ما هي مصادر تمويلكم؟ من قائدكم؟”».

لم تجيب لين، وبدأ العنف.

«قام عدة أفراد أقوياء من الشرطة بتثبيت ذراعي خلف ظهري وضرب رأسي بالحائط. كان الضباط يتناوبون. استخدمت ضابطة عيدان تسليك الأسنان لتخترق جلدي. قال أحد الضباط “يدي تؤلمني من جراء ضربك” ثم خلع حذاءه وصفعني على وجهي باستخدام الكعب».

استمر التعذيب لأيام. قام معذبوها بتهديدها بأشكال أخرى من التعذيب: المياه الممزوجة بالشطة، «المخلعة» وهي أداة تعذيب من العصور الوسطى تستخدم لتكسير كل عظام الجسم.

«كنت قلقة ألا أستطيع تحمل التعذيب أكثر من ذلك». خوفاً من أن تقوم بخيانة زملائها، حاولت لين قتل نفسها، عن طريق ضرب رأسها بقوة في حائط الحمام. لكنها لم تنجح.

«كانت ملابسي مكسوة بالدماء، ولكن أحد الضباط قال لي:«لن نتركك تموتي، سنستمر في استجوابك».

رغم رفض لين الإفصاح عن أي شيء، تم الإفراج عنها بكفالة في النهاية. إحدى ال«أخوات» وإسمها الحركي «ما» لم يكن لديها نفس الحظ، ولاقت حتفها تحت التعذيب. تفقد لين السيطرة على نفسها للحظة عند تذكرها، إلا أنها تستجمع نفسها سريعاً وتستمر في الحكي.

الاضطهاد الديني

خوفاً من جلب المشاكل لعائلتها، بدأت لين حياة رحالة، تنتقل من مكان لآخر في أنحاء الصين، مختبئة. خسر زوجها عمله وطلقها.

تقول لين: «لم أستطيع النوم خوفاً من أن تقتحم الشرطة المنزل. كنت أشعر أني لا أستطيع التنفس».

علمت لين أنها تستطيع دخول بلد مجاورة بدون تأشيرة: «علمت أن كوريا الجنوبية لديها سياسات لجوء، شعرت أني لا أستطيع الاستمرار في الحياة في الصين»

أما عن الجريمة التي أدت للقبض على لين وتعذيبها وإجبارها على ترك بلدها، فما هي إلا كونها عضوة في كنيسة الله القدير» المستقلة، التي تعرف أحياناً بإسم «البرق الشرقي».

لا تواجه كل الأديان القمع في الصين الحديثة: توجد مؤسسات تشرف بالتنسيق مع الدولة على البوذية والطاوية والإسلام والكاثوليكية والبروتستانتية ومجموعات أخرى. إلا أن كثير من الديانات الأخرى تواجه القمع. كنيسة «البرق الشرقي» على قائمة الديانات الصينية الأكثر تعرضاُ للقمع ومعها الإيغور المسلمون وطائفة «فالون جونج» والبوذيين التبتيين. إنها قائمة طويلة، ولها تاريخ طويل.

رسمة لكنيسة الله القدير» في سول يظهر فيها هجوم من قوة شرطة صينية على مجموعة من المتعبدين. صورة: Andrew Salmon / Asia Times

طائفة خطيرة أم أقلية دينية؟

لمدة قرون، احتفظت الحكومة الصينية بقائمة «زي جياو» التي تضم الطوائف الدينية التي تشكل خطر على سلطة الدولة. للطوائف الدينية أثرها الدموي على تاريخ الصين. في 1850، سعى معتنق للمسيحية يسمى هونج زيكوان، الذي كان يعتقد أنه شقيق المسيح، لإقامة مملكة سماوية في الأرض. ردت السلطة الصينية بمذبحة طالت كل أنحاء الصين حتى اندثار الحركة في 1864. تصل تقديرات عدد الضحايا ل30 مليون، ويعتبر العديد من المؤرخين «تمرد تايبينج» هو ثاني أكثر حرب دموية في التاريخ، بعد الحرب العالمية الثانية.

لا زالت صين القرن الواحد والعشرين بقيادة الرئيس شي جين بينج في حالة قمع، بحسب ماسيمو إنتروفيني، المؤسس الإيطالي لمركز دراسات الأديان الجديدة.

يقول إنتروفيني:«اعتقد دينج زياوبينج (زعيم الصين السابق) أن الديانات ستندثر بعد 300 عام. ولكن، حتى ذلك الوقت، يجب التعايش معها. أما شي جين بينج، فقد وضع قانون جديد أكثر صرامة بكثير من القوانين السابقة».

عدد المسيحيين في الصين غير معروف. البعض يقدر أن عددهم يفوق 60 مليون، ولكن في 2017، قدرت جلوبال تايمز العدد ب50 مليون. وهو ما يجعل كنيسة الله القدير»، التي أسست في 1991 ومن المعتقد أن تكون نتاج تأثير مجموعة «زي بريزرن» البروتستانتية، لاعب مهم. تقدر الحكومة الصينية عدد أعضاء الكنيسة ب4 مليون في أنحاء الصين.

ربما بسبب طبيعة الكنيسة التي ليس لديها مقر وتعمل في الخفاء، وتتبنى طقوس هادئة من الصلاة والغناء – يتكتم أعضاء الكنيسة على ممارساتهم وهيكلهم التنظيمي. إلا أن الأكيد هو أن الكنيسة تدعو لأفكارغير تقليدية، مثل كون المسيح تجسد في هيئة سيدة صينية، هي يانج زيانجبين (التي تعيش الآن في سرية في نيويورك).

يقول المعارضون أن الكنيسة تتلاعب بأفكار متبعيها، وتدفعهم لترك عائلاتهم، كما يتهمون الكنيسة بالترويج لنظريات نهاية العالم في 2012.

كانت الكنيسة محل اهتمام الصحافة العالمية في 2014 بسبب حادث «قتلى ماكدونالدز» عندما قام ستة، قالوا أنهم تبشيريين، باقتحام مطعنم ماكدونالدز في منطقة «شاندونج» ومطالبة الزبائن بالإفصاح عن أرقام هواتفهم. عندما رفضت إحدى الموجودات، تم ضربها حتى الموت. ألقت الشرطة القبض على الجناة وعرفتهم كأعضاء في كنيسة الله القدير».

إلا أن البعض يكذب هذه الصورة الأقرب للطائفة. منهم إنتروفيني، الذي كتب كتاب عن الكنيسة من المنتظر طباعته عن طريق دار نشر جامعة أكسفورد.

قام أستاذ الديانات الإيطالي ماسيمو إنتروفيني بالدفاع عن الكنيسة التي تعتبرها الصين طائفة. صورة: Andrew Salmon / Asia Times

بعد دعوته للصين كباحث في الديانات في 2017، حصل على إذن لمطالعة نصوص محاكمة «قضية ماكدونالدز». بعد تقييم الأدلة القانونية والفكرية، توصل لأن القتلة ليسوا أعضاء في الكنيسة.

كما اعتبر أن استخدام الدولة لكلمة «طائفة» لتبرير القمع في غير محلها. هو يقول أن كنيسة «الله القدير» هي «ديانة جديدة خارج التيار».

يقول إنتروفيني: « أنا كاثوليكي، وبعيد عن معتقداتهم الفكرية، لكني أؤمن، بناءاً على حقوق الإنسان، بحقهم في ممارسة ديانتهم بدون التعرض للاعتقال والتعذيب».

مئات الآلاف في السجن

يقول في إشارة للحركة الروحية المقموعة في الصين: «كنيسة الله القدير هي فالون جونج الجديدة». بينما أسباب قمع «فالون جونج»، التي كان لديها 20 مليون متابع في أنحاء آسيا، سياسية، فسبب قمع كنيسة «الله القدير» هو النظر لها كطائفة. بحسب روزيتا سوريتي، دبلوماسية ليتوانية سابقة وهي شريكة إنتروفيني في البحث وتدير منظمة «المراقب الدولي على الحريات الدينية للاجئين» غير الربحية، عدد أعضاء كنيسة «الله القدير» في السجون الصينية يفوق عدد أعضاء «فالون جونج».

حتى خلف الأسوار، يتم اضطهاد أعضاء الكنيسة، بحسب سوريتي. «في السجن يتم وضع علامة مميزة على أعضاء الكنيسة، ويتم تشجيع المساجين الآخرين على إذلالهم. في السجن، أن تكون عضو في كنيسة الله القدير جريمة أعظم من القتل أو الاغتصاب».

يتم استخدام موارد ضخمة من الدولة في هذه الحملة. يقول إنتروفيني، الذي يرافب الإعلام الصيني يومياً، أن جريدة الأعمال الصينية «كايكسين جلوبال نيوز» نقلت تكليف 1500 ضابط شرطة بتعقب أعضاء الكنيسة في مقاطعة كينجهاي وحدها. في 2017، قال مسؤولون صينيون لإنتروفيني أن السلطات قامت بالقبض على 300 ألف عضو من الكنيسة.

قالت الكنيسة، في تقرير نشرته بنفسها، أن عدد الأعضاء الذين تم القبض عليهم بين 2011 و2017 وصل 400 ألف، منهم 101 لقوا حتفهم. تقول الكنيسة أن 11 ألف تم القبض عليهم خلال السنة الماضية، منهم 20 لقوا حتفهم. عرض أعضاء الكنيسة على آسيا تايمز صور مروعة يقولون أنها لجثث أعضاء الكنيسة الذين قتلوا تحت التعذيب وتم إعادتهم لأسرهم للدفن.

علقت وزارة الخارجية الأمريكية على وضع الكنيسة. قامت الوزارة في تقريرها عن حرية الديانة بانتقاد قمع مجموعات المسيحيين المستقلين في الصين ومنهم كنيسة «الله القدير».

بالرغم من ذلك، تقول سوريتي أن تقدير مستوى الخوف والقمع أقل من الواقع. تذكر أحد أعضاء الكنيسة الذين قابلتهم الذي اختبأ في قبو لم يرى فيه نور الشمس لمدة ست سنوات.

الآلاف من أعضاء الكنيسة هربوا خارج الصين. بعضهم استخدموا معارفهم في الصين للحصول على جوازات سفر، وآخرون سافروا باستخدام جوازات سفر مزيفة، بحسب سوريتي. يوجد أعضاء من الكنيسة في كندا والاتحاد الأوروبي ونيوزيلندا وتايوان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.

تابعوا الجزء الثاني يوم الأربعاء

Join the Conversation

1 Comment

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *