رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في 19 مايو/أيار 2018. صورة: . REUTERS/Danish Ismail

من الصعب عدم ملاحظة المفارقة في كون البقر المقدس سبب محتمل لخسارة رئيس وزراء الهند القومي ناريندرا مودي الانتخابات العامة القادمة.

لطالما طاف البقر في شوارع الهند بحرية، إلا أن شوارع الهند أصبحت، منذ صعود مودي إلى السلطة في 2014، بمثابة بحر من الأبقار. مع إطلاق بعض المزارعين للأبقار والثيران المتقدمة في السن والتي تغزو المزارع المجاورة، أصبح الأمر يهدد مصدر رزق المزارعين.

تسبب الهندوس القوميون في تدمير اقتصاد الماشية منذ صعود مودي للسلطة، بسبب مطالبتهم بعدم ذبح أي أبقار. الآن، يقوم المزارعون بتسريح الأبقار المتقدمة في السن بعدما تتوقف عن إنتاج اللبن ولا يريد أحد شراءها.

كان المزارعون الهندوس يتبعون نظام يسمح لهم بالتربح من بيع أبقارهم القديمة بدون السؤال عما يفعله الشارون. تتيح عملية البيع للمزارعين سيولة لشراء ماشية شابة، ويقوم تجار الماشية بذبح البقر، بشكل قانوني أو غير قانوني وبالمخالفة لعقد الشراء في بعض الأحيان.

منذ صعود مودي للسلطة، قتل متشددو حماية الأبقار 46 شخص على الأقل. بجانب الخوف من هؤلاء المتشددين، أدت سياسات وقوانين الدولة لركود تجارة الأبقار. حتى عمال البلدية يمتنعون عن رفع جثث الأبقار خوفاً من انتقام العصابات المتشددة.

اضطر المزارعون لحراسة زراعاتهم ليلاً لحمايتها من هجوم الأبقار الضالة، واضطروا لتكبد تكاليف كبيرة لمحاوطة مزارعهم بأسوار في حين لا تجلب زراعاتهم مكاسب.

بدافع اليأس، بدأوا في حبس الأبقار في المدارس وأقسام الشرطة والمستشفيات والمقابر، حيث تموت من الجوع.

توحيد الهندوسية

أربعة من كل خمسة هنود يعتنقون الهندوسية. لكن الهندوسية، مثل الهند، ليست فكرة متجانسة. بعكس الإنطباع الشائع، أغلب الهندوس يأكلون اللحوم.مثلما يوجد هنود يعبدون البقر المقدس، هناك منهم من يأكلون اللحم مثل طبقة ال “داليت”. في بعض أنحاء البلد، مثل كيرالا في الجنوب، حتى البراهمة من أعلى الدرجات يأكلون اللحم.
هناك قول شائع: أي حقيقة يمكن قولها عن الهند، فعكسها حقيقي أيضاً. يريد الهندوس القوميون تغيير ذلك لصالح نظرية المباديء المطلقة. لا يقدر الهندوس القوميون التعدد داخل الهندوسية ولا حرية الأفراد في أكل ما يريدون. في سعيهم لإجبار غير الهندوس على اتباع القواعد الهندوسية، كان عليهم أولاً تجنيس الهندوسية. ولذلك، لابد للجميع أن يجبر على الإنحناء أمام البقر.
عن طريق العنف والتنمر السياسي والقضاء بشكل فعلي على تجارة الماشية، أثر الهندوس القوميون على دخل مزارعين الماشية البسطاء، والكثير منهم مسلمون.
نسى أيضاً الهندوس المتشددون ضرورة إيجاد حل للأبقار الضالة.
كيف يقترح حزب مودي، “بهاراتيا جاناتا”، وشركاؤه من متشددين الأبقار تعويض خسارة الوظائف في قطاع الجلد؟ هل سيقومون بتعويض المزارعين عن خسارتهم؟ في مهمتهم للدفاع عن البقر المقدس، فشلوا في التفكير في هذه الأشياء. ذهب البعض حتى للخرافات، ناصحين الناس بشرب بول البقرة كعلاج للسرطان.

قليل جداً، متأخر جدا

طالبت منظمات المزارعين بإلغاء منع ذبح الأبقار. إلا أن الدفاع عن ذبح الأبقار أصبح ينظر إليه كموقف غير منضبط في الهند، ولذلك لا يستطيع المزارعون القيام بضوضاء كبيرة بشأن مطلبهم. إلا أن الغضب كبير وقد يظهر وجهه في الانتخابات القادمة.
في شهر ديسمبر/كانون الأول، خسر حزب مودي، “بهاراتيا جاناتا”، الانتخابات في ولاية “مادهيا برادش” المحورية، والتي تصدر الحزب فيها المعارك الانتخابية لمدة 15 عام. ربح حزب “الكونجرس” المعارض الانتخابات، وكان أحد عوامل نجاحه تعهده ببناء أماكن لإيواء البقر للسيطرة على خطر الماشية الطليقة.
المشكلة ظاهرة بشكل خاص في ولاية “أوتار براديش” الشمالية، وهي أهم ولايات الهند سياسياً في الانتخابات العامة. رئيس وزرائها، الذي اختاره ناريندرا مودي، هو كاهن هندوسي متطرف، آجاي سينغ بيشت، المعروف بيوجي آديتياناث.

إلا أن الكاهن لم يستوعب قوة الغضب الشعبي بشأن الأبقار الطليقة حتى بداية موسم الانتخابات. كلف الكاهن المسؤولين بالتخلص من الأبقار في مهلة غير واقعية وإيداعهم مخازن غير موجودة. . فرض ضريبة خاصة على بيع الكحول لتمويل هذه المخازن. كانت التكاليف مخيفة. التعامل مع ملايين الأبقار غير المنتجة سيكلف الهند 150% من ميزانية الدفاع.

البعض يتهم حكومة أوتار برادش بالاهتمام بالأبقار أكثر من الناس. في ولاية معروفة بغياب النظام والقانون، تتهافت السلطات للتحقيق في حالة موت بقرة. خصصت حكومة أوتار براديش 247 مليون روبيا من ميزانيتها البالغة 4.79 تريليون روبيا لبناء وإصلاح الملاجيء لحماية الأبقار في المناطق الريفية و200 مليون روبيا أخرى على مخطط لبناء سلسلة ملاجيء في المناطق الحضرية. كما تقوم السلطات بعمل محاضر للمزارعين الذين قاموا بحبس الأبقار داخل المدارس.

كرامة بقرة

بجانب تركيب الأكواد على البقر الطليق للتمكن من متابعته، بدأت الحكومة في تسجيل أسماء مالكي البقر. تمكن هذه الإجراءات الحكومة من الكشف عن ملاك الأبقار الذين يطلقونهم ومحاسبتهم.

في السنوات الماضية، صارع المزارعون الهنود لتلبية أساسيات الحياة في ظل انخفاض العائد من زراعاتهم، وارتفعت معدلات الانتحار بين المزارعين المديونين وأصبحت مشكلة جدية. أصبح التنازل عن ديون المزارعين ودعم دخلهم قضية سياسية ذات أولوية قصوى. البقر الشارد هو آخر ما يحتاجه المزارع الهندي.

دعم ناريندرا مودي قضية حماية البقر بينما حاول النأي بنفسه عن العنف الذي ارتكبه المتشددون في سبيل هذه القضية. بينما المزارعون في أشد الحاجة للحماية من خطر الماشية الطليقة، تخصص حكومة مودي الأموال للحفاظ على الماشية المحلية وتطويرها جينياً.

أوضح وزير المالية موقف الحكومة في خطاب عن الميزانية قال فيه: “ستقوم الحكومة بكل اللازم لصون كرامة الأبقار وحمايتهم.”

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *