سوق رطب في الصين. المصدر:وكالة الأنباء الفرنسية

انتشار فيروس كورونا القاتل يلقي بظلال كبيرة على العالم، مع إعلان منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ. ورغم أن انتشار الفيروس يبدو وأنه سريع للغاية إلا أن معدل الوفيات لا يعد مرتفعًا.

ويعد التوافق العام حتى الآن هو أن الفيروس أتى من الأسواق الرطبة في الصين، حيث يشتري السكان حيوانات برية ويأكلونها بدون أي محاذير صحية.

لكن خلف انتشار الفيروس والظروف المحيطة بالأسواق الرطبة، يلوح سؤالٌ عن التنمية الزراعية غير المكتملة في الصين. وهنا قد يكون مفيدًا أن نقارن بين الصين وإيطاليا، حيث المجتمعين يتشاركان في الشغف بثقافة الأكل المحلية.

البارميزان وحليب الأطفال

في إيطاليا، إنتاج جبن البارميزان في السوق الضخمة يعتمد على عدد قليل من موردي اللبن ذا الجودة المرتفعة، والذي يقدر بحوالي 700 موزع. ويشتري مجموعات المنتجين للجبن من موردي اللبن بأسعار مرتفعة. يمتلك الموردين الصغار مئات الأبقار بينما يمتلك الموردين الكبار الآلاف. تربى الأبقار في ظروف صحية بها درجة عالية من التحكم وتقوم مجموعات المنتجين بالرقابة بشكل عشوائي على جودة اللبن. إذا في أحد المرات وجدت مجموعة منتجي الجبن أن جودة اللبن أقل من المعايير المطلوبة، يتم إقصاء مورد اللبن، وبالتالي يخسر السعر المرتفع للبيع.

في هذا السيناريو، لا يوجد حافز عند أي مورد ألبان أن يغش في جودة اللبن، وكل موردي الألبان لديهم دوافع قوية لإنتاج أعلى جودة ممكنة.

مخزن لجبن البارميزان في إيطاليا. المصدر: وكالة الأنباء الفرنسية

يختلف الوضع تمامًأ في الصين. في عام 2008، وجدت الأمهات الصينيات أن حليب الأطفال أضيف إليه الميلامين، وهي مادة صناعية ترفع نسبة البروتين في اللبن، لكنها قد تضر بالكلى عند الرضع.

لم يكن الأمر ببساطة أن بعض موردي الألبان قاموا بغش المنتج الذي يبعونه إلى منتجين حليب الأطفال. الشركة المنتجة اشترت اللبن من عشرات الآلاف من المزارعين، أغلبهم يملكون بضع بقرات فقط. قام المزارعون ببيع اللبن إلى وسطاء، الذين قاموا بدورهم ببيعه إلى شركات إنتاج حليب الأطفال.

قام أحد الأطراف بإضافة مادة الميلامين لتلبية المعايير الغذائية، حيث أن لبن الأبقار الصيني به نسبة بروتين منخفضة. لكن لا يزال غير واضح أي طرف قام بإضافة تلك المادة: كان يوجد عدد كبير من الموردين ولم يكن لهم علاقة مباشرة بالشركة المنتجة لحليب الأطفال. كانت سلسلة الإمداد طويلة جدًا وأكبر من أن يتم الرقابة على الجودة بشكل فعال.

يمكن تخيل أن الطريقة الوحيدة للرقابة على الجودة كانت إذا تدخلت الحكومة للرقابة على كل مزارع، إلا أن سيناريو كهذا يتطلب جهد مرتفع بتكلفة باهظة، ولا يضمن بالضرورة نتيجة تتجنب إمكانية الرشوة.

لكي يتم ضمان جودة الواردات بشكل حقيقي، على المرء أن يتبنى نظام جبن البارميزان – وهو اللجوء إلى عدد صغير من الموردين الذين لديهم دافع اقتصادي للحفاظ على الجودة المرتفعة. لكن حتى يتم الوصول إلى هذه المرحلة، يجب أن يخسر عدد كبير من المزارعين البقرات القليلة التي يملكونها ومعها وظائفهم وأراضيهم وترك التوريد إلى كبار المزارعين.

يمكن أن يحدث هذا الأمر بطريقتين: سريعًا أو ببطئ. إذا تم اتخاذ النهج البطئ، إذًا على المرء انتظار التنمية العمرانية حتى تستوعب بين 30 أو 40 بالمئة من الوظائف الإضافية من الريف إلى المدينة – لكن هذا الأمر سيأخذ عقودًا من الزمن. اتخذ الأمر ثلاثة عقود حتى تصل نسبة سكان المدن في الصين إلى 50 بالمئة. وكي يتم نقل حوالي 90 بالمئة من السكان إلى المدن بالوتيرة الحالية سوف يأخذ الأمر ثلاثة عقود أخرى.

أو قد يوجد طريقة أخرى أسرع. يمكن للدولة أن تنشئ نظام دعم اجتماعي وتضامني للمزارعين الصغار الذين قد يخسرا وظائفهم من تغيير المنظومة. ورغم أن نظام الدعم التضامني مكلف، وقد يتطلب من الدولة أن ترفع الضرائب كي تموله، إلا أن فرض ضرائب جديدة على الناس يتطلب زيادة الشفافية تجاه أوجه إنفاق أموالهم.

ويعني هذا السيناريو أن المواطنين سيكون لهم القدرة على مطالبة الدولة بحق مراقبة الإنفاق العام والتصويت عليه. هنا نعود إلى الشعار القديم: لا فرض ضرائب بدون تمثيل.

بالطبع، القيادة الصينية يمكنها أن تفرض ضرائب على الناس دون الخضوع إلى مبدأ التمثيل إلا أن هذا قد يجعل دافعي الضرائب أكثر عدائية تجاه الحكومة. وقد يؤدي هذا الأمر إلى محاولة التهرب من دفع الضرائب، ما قد يدفع الحكومة إلى زيادة القمع لإجبار الناس على دفع أموالهم.

الأهم هو أن هذا السيناريو يخاطر بكسر العقد الاجتماعي الذي توصلت إليه الحكومة الصينية مع شعبها بعد واقعة تيانانمين  في عام 1989. عشية قمع المظاهرات، توصلت القيادات الصينية إلى تعهد مع الطلبة: يمكنهم أن يعملوا كما يرغبون وألا يدفعوا ضرائب طالما لا يتدخلوا في السياسة. يمكنهم أن يغتنوا طالما ظلوا ممتنعين عن العمل السياسي.

إذا قامت الحكومة الصينية بكسر هذا العقد الاجتماعي الآن، يجب عليها أن تستبدله وإلا أصبح وضعها غاية في الهشاشة.

سوء تفاهم عام 2008

قد يكون في عام 2007 عندما فكرت الحكومة الصينية في خلق نظام رعاية اجتماعية والمضي قدمًا نحو دمقرطة أكثر – عبر تبني النموذج الاقتصادي والسياسي الغربي. لكن بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، شعرت الصين أن النظام الأمريكي لم يعد يعمل وأنه لا يوجد ما تتعلمه من الدول الغربية، وبالتالي فضلت الصين أن تستمر في نظامها بدون المخاطرة بإثارة الأزمات.

ولذلك تم التراجع عن خطط تبني نظام رعاية اجتماعي ودمقرطة للمجال السياسي. وبعد ذلك وبشكل غير مباشر عبر سلسلة من الأحداث التي شملت انفلونزا الطيور في أواخر التسعينيات وأزمة السارس عام 2003، تم وضع مسألة الوضع الصحي لمنظومة الزراعة في الصين على جنب.

بالتأكيد، يوجد بلاد عديدة بها أنظمة زراعية وغذائية غير صحية، لكن شعوبها أقل تنقلًا عن الشعب الصيني، الذي يتمتع بنظام طرق وسكة حديد وطيران حديث جدًا وكفؤ.

بالإضافة إلى أنه على خلاف بلاد أخرى بها محرمات غذائية مثل الهند – حيث لا يأكل الهندوس اللحم البقري ولا يأكل المسلمون لحم الخنزير ويوجد عدد كبير من النباتيين – يعرف عن الصينيون أنهم يأكلون كل شئ.

في ذلك الوضع، بالنسبة إلى مزارعين كثيرين البيع في الأسواق الرطبة يعد شكل مناسب لزيادة دخلهم. وبالتالي، وإن نخاطر بقدر من التبسيط، يمكننا هنا أن نرى بعض العناصر الجوهرية خلف انتشار الوباء الحالي: منظومة زراعية بدائية، لا يوجد بها قيود غذائية وشعب كثير التنقل داخليًا.

اشتباك هذه العناصر يبدو أنه المصدر الممنهج لإنتاج حدث منفرد في التاريخ المعاصر – نشوب وبائين شديدي الخطورة في بلد واحد في أقل من عقدين من الزمن.

الأثر العالمي لنظام الزراعة الصيني

في البلاد الأخرى حيث النظام الزراعي بدائي يوجد إما قيود غذائية أو حركة تنقل داخلية ضعيفة. أو في البلاد التي تتمتع بقيود غذائية قليلة وحركة تنقل داخلية كثيفة، يوجد منظومة زراعية حديثة جدًا.

في الصين يمكننا أيضًا أن نرى تزامن وباءات بين الحيوانات مع انتشار مرض سارس في عام 2003 وفيروس كورونا في عام 2020. كان يوجد في الصين قبل عام 2003 عندما انتشر السارس، انتشار واسع لانفلونزا الطيور. وقبل فيروس كورونا، وبالتحديد في ربيع عام 2019، انتشر وباء انفلونزا الخنازير في الصين حينها، تم إعدام نصف الخنازير بالبلاد والتي تمثل ربع إجمالي الخنازير في العالم.

ولا تزال انفلونزا الخنازير مستمرة، ولا يتضح متى يمكن تجاوزها. في الأول من فبراير/شباط في جنوب الصين بمقاطعة هونان، المجاورة هوباي، حيث نشأ فيروس كورونا، كان يوجد انتشار جديد وواسع لانفلونزا الطيور.

هنا يوجد أمرين يجب النظر إليهما. أول الأمرين هو إيجاد حل لانتشار الوباء الحالي – وبالتأكيد يتوجب على العالم بأكمله التعاون من أجل إيقاف انتشار الفيروس. الأمر الآخر يتعلق بالجانب الأعم الخاص بالمنظومة نفسها: كيف يمكن للصين أن تحدث قطاع الزراعة كي تتجنب انتشار هائل للأمراض مبين الحيوانات والبشر في المستقبل؟

يجب أن يتم تحديث الإنتاج الزراعي والحيواني ودمجهم في منظومة صحية حديثة. ولكن يوجد تبعات سياسية أوسع لتلك العملية.

من الواضح أن وباء سارس وفيروس كورونا ليسا أمور تخص الصينيون فقط. أي لأن مثل تلك الأوبئة لها تبعات على الأمان الصحي العالمي، يصبح الأمر مشكلة للعالم برمته.

*نشر هذا الموضوع لأول مرة على موقع سيتمانا للأخبار.

Leave a comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *